المرأة السورية في زمن الحرب: حينما يغدو المنزل نافذة اقتصادية عابرة للحدود.

نتيجة للحرب التي شهدتها سوريا على مدار أربعة عشر عاماً، وما رافق ذلك من تحديات اقتصادية كبيرة، وأهمها انتشار البطالة وانهيار الليرة السورية، وشلل الأسواق وتوقف حركة الاقتصاد، وما رافق ذلك من عمليات أمنية وعسكرية في العديد من المحافظات السورية، وجدت عدد من النساء ضالتهن في العمل المكتبي وفي منازلهن.

وهنا سنتحدث عن النساء تحديداً، وذلك نتيجة لتبدل الأدوار بين النساء والرجال نتيجة الحرب، وما أدى ذلك لكسر العديد من التابوهات الاجتماعية ودخول النساء لسوق العمل من عدة أبواب.

​فالعديد من النساء السوريات وجدن ضالتهن في العمل ضمن المنزل، ومنهن من لجأن للقيام بأعمال تقليدية كافتتاح مطبخ وبيع الطبخات، ومنهن من لجأن إلى المهن اليدوية مثل صناعة الإكسسوارات والتحف. كما دخل البعض منهن سوق العمل خلال الأعمال البرمجية والتقنية مثل التصميم والبرمجة أو التعليق الصوتي.

​الحرفة كـ “ترياق” واستقلال مادي

المهن التقليدية هو عمل له أهميته، ونتيجة للظروف الاقتصادية التي تمر بها سوريا، لجأت العديد من النساء السوريات لافتتاح ورش منزلية والعمل داخل منازلهن، كما ساهمت ظروف اللجوء والنزوح التي شهدتها سوريا على مدار ما يقارب 14 عاماً في العمل على تعزيز الأعمال المنزلية، لاسيما للنساء اللواتي اضطررن لمغادرة مدنهن والإقامة في بلدات أو مدن أخرى.

​وفي هذا السياق تشير ليلاس تقي، الإخصائية النفسية وصاحبة مشروع “لاريكا” لصناعة الإكسسوارات من المنزل وبيعها، إلى أهمية هذا النوع من المشاريع لاسيما على الصعيد المادي والنفسي، حيث تغدو “الحرفة” لديها ترياقاً للروح وجسراً للاستقلال. تجمع ليلاس في تجربتها بين عمق الاختصاص في الصحة النفسية وشغف الريادة اليدوية، لتقدم نموذجاً للمرأة السورية التي تطوع الظروف القاسية لصالح التوازن النفسي والمهني. فمن واقع خبرتها الطويلة في المنظمات الإنسانية بين تركيا وسوريا، تؤكد ليلاس أن العمل اليدوي ليس مجرد وسيلة للكسب، بل هو “فعل استشفائي” بامتياز؛ ففي علم النفس تُستخدم الحواس كأدوات لإعادة الارتباط بالواقع وتفريغ الضغوط، وهو ما تحققه الحرفة اليدوية التي تمنح المرأة شعوراً بالإنجاز.

​هذا الفهم العميق للذات تجسّد في مشروع “لاريكا” (Larika)، الذي ولد في تركيا، ومن ثم انتقلت به ليلاس إلى سوريا. ورغم تحديات العودة إلى سوريا والانتقال إلى سوق جديد، استطاعت ليلاس من متابعة مشروعها، معتمدةً على أدوات تسويقية حديثة عبر “إنستغرام” و”فيسبوك”، ومشاركة فعالة في فعاليات مجتمعية كمهرجان “جارة القلعة” بحلب.

ترى ليلاس أن “لاريكا” فتح لها آفاقاً واسعة للتشبيك مع جهات مانحة وأصحاب شركات، إلا أن طريق الريادة من المنزل لا يخلو من العقبات اللوجستية؛ فبين ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة وصعوبة تأمين المواد الأولية وتذبذب الأسعار، تبرز الحاجة إلى إرادة صلبة للموازنة بين الشغف والجدوى الاقتصادية. وبالنسبة لليلاس، فإن تلك الخيوط والخرز التي تتحول إلى خلاخيل وأطواق وإكسسوارات ليست مجرد منتجات، بل هي وسيلة لنقل الطاقة الإيجابية للناس، والحصول على تغذية راجعة تمنحها القوة للاستمرار.

للمجتمع المدني حصة في دعم النساء

كما تبرز الحرفة الفردية، تبرز جهود منظمات المجتمع المدني في دعم النساء للعمل على مشاريع ضمن المنزل، ومنها منظمة “النساء الآن من أجل التنمية”. تشير مزنة جنيد مديرة مركز قيم للتنمية التابع للنساء الآن في مدينة معرة النعمان، إلى أن المنظمة تعمل على مد جسور المعرفة للنساء، من فصول محو الأمية واللغات، وصولاً إلى تدريبات غير نمطية كصيانة الحاسوب وتقنيات الذكاء الاصطناعي. 

​كما تقرأ مزنة خارطة الوجع السوري من خلال تبدل الاحتياجات؛ ففي معرة النعمان وقبل أن يبتلعها النزوح، كان شغف النساء يميل نحو “التمكين المعرفي” وصناعة القيادات النسائية القادرة على الجلوس حول طاولات صنع القرار. أما اليوم وفي مخيمات قرية “كلي” على سبيل المثال، فقد فرض الواقع القاسي أولويات مغايرة، حيث أصبح التمكين الاقتصادي المباشر هو “طوق النجاة”. هناك لا تبحث المرأة عن مجرد مهنة، بل عن وسيلة لانتزاع كرامتها المادية عبر الخياطة أو البرمجة أو حتى صيانة الأجهزة، لتتحول من متلقية للمساعدات إلى فاعلة في اقتصاد عائلتها. وتضيف مزنة أن الأثر الأعمق يكمن في “الخروج من ضيق الخيمة” عبر المساحات الآمنة التي سمحت للمهجرات ببناء شبكات اجتماعية وتزويدهن بـ “دروع نفسية” لمواجهة ضغوط النزوح. وفي ظل التحول الرقمي، تراهن مزنة على “ذكاء المرأة السورية” وقدرتها على تطويع الأدوات التقنية، شريطة اقتران المهارة الواعية في استخدام الأمن السبيراني.

مبادرات فردية تدعم النساء

بعض النساء السوريات وإيماناً منهن بدعم غيرهن من النساء، بادرن بتنفيذ مشاريع تمكينية ومنهن ثريا حجازي، حيث نفذت مشروعاً زراعياً في منطقة “المليحة” بريف دمشق، ليلامس جوهر العدالة المناخية والتمكين النسائي. ينطلق المشروع من رؤية استراتيجية تعالج التحديات المعقدة التي تواجه المزارعات السوريات، حيث تدهور خصوبة التربة وندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة.

تؤكد ثريا أن الهدف الأساسي هو محو “الأمية البيئية” لدى النساء اللواتي يقعن على خط المواجهة الأول مع التغير المناخي، عبر ثلاثة محاور حيوية: تحويل المخلفات الزراعية إلى سماد عضوي، إحياء البذور المحلية غير المعالجة وراثياً، ورفع الوعي حول البدائل البيولوجية للمبيدات الكيماوية.

​وقع الاختيار على “الغوطة الشرقية” لكونها الخزان الزراعي الأكبر، ولأن الزراعة فيها هوية وتاريخ. توضح ثريا أن المرأة في هذه المنطقة شريكة أساسية في الإعالة، لذا يركز المشروع على تمكين النساء بمهارات تضمن لهن “الأمان الغذائي” قبل البحث عن الربح السريع، فكل ليرة توفرها المزارعة عبر إنتاج بذورها الخاصة أو سمادها العضوي هي “دخل محفوظ” يساهم في حماية ميزانية الأسرة. وتستعرض ثريا قصصاً من الميدان لمزارعات تحول إنتاجهن من مجرد كفاف يومي إلى فائض يطعم العائلة والجيران. ورغم التحديات اللوجستية والإدارية، تؤمن ثريا بأهمية المهارات الرقمية التي قد تساهم مستقبلاً في تسويق المنتجات الزراعية.

​أعمال كسرت القالب التقليدي: تجربة العبور الرقمي

في الكثير من البيوت السورية اليوم، لم يعد الجلوس خلف شاشة الحاسوب، مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل استحال سعياً يومياً هادئاً لإثبات الذات وتأمين لقمة العيش. ففي ظل الظروف الاقتصادية القاسية، برز الإنترنت كعصب حياة ونافذة وحيدة تطل بحياة النساء والشابات على سوق عمل عالمي عابر للحدود، مؤمّناً لهن دخلاً ومساحة تتجاوز الفرص المحلية المحدودة.

​هذا الواقع جعل من “العمل الحر” خياراً مطروحاً بقوة، وهو ما تجسد في تجربتي الشخصية. لم يكن دخولي إلى عالم العمل الحر مجرد تجربة عابرة، بل كان استجابة منطقية لواقع يفرض علينا البحث عن بدائل مبتكرة. لقد بدأتُ رحلتي المهنية قبل عامين، وتحديداً حين بلغتُ الـ 20من عمري، حيث دفعتني الرغبة في استثمار مهاراتي المزدوجة في “التعليق الصوتي” و”التسويق الإلكتروني”.

​بعيداً عن روتين المكاتب الذي قد لا ينصف الكفاءة، ومع أول 5 دولارات جنيتها، اكتشفت أن هذا الطريق يفتح مجالاً واسعاً ليس فقط للربح، بل لتعلم مهارات ضرورية كالتسويق الإلكتروني وإدارة الحسابات، مما ساعدني تدريجياً على تحقيق توازن مادي يتماشى مع احتياجاتي الشخصية في ظل التكاليف المعيشية المرتفعة. غير أن الوصول إلى هذه “المرونة” يصطدم بواقع سوري صعب، حيث نواجه تحديات يومية متمثلة في تقنين الكهرباء وضعف الإنترنت.

هنا تصبح العدة الأساسية المكونة من (حاسوب، موبايل، ومايكروفون) أدوات كفاح يومي تتطلب تكييفاً مستمراً؛ فغالباً ما تكون المقاهي هي الملاذ الوحيد لي، حيث أقضي ساعات طويلة بحثاً عن تيار كهربائي مستقر. هذه الجدية والالتزام هما اللذان يبنيان جسور الثقة؛ لدرجة قد يصل معها العائد المادي إلى 100 دولار خلال 5 أيام فقط، وهو ما يشجعني دائماً على إعادة استثمار هذه الأرباح لتطوير أدواتي الخاصة لضمان استمرار الجودة. وعلاوة على ذلك، نواجه صعوبات في تحصيل الأرباح نتيجة غياب بوابات الدفع العالمية؛ ما دفعنا جميعاً لنصبح “خبراء ماليين” بضرورة الواقع، عبر ابتكار حلول لفك حصار الدفع الإلكتروني تعتمد على المحافظ الإلكترونية والوسطاء أو استلام الأرباح عبر شركات الصرافة المرخصة.

تقرير: رغد دياب

Exit mobile version