العدالة الانتقالية الغائبة رسمياً.. الحاضرة في ذاكرة الضحايا

عندما فتحت أبواب السجون، بدأت أصوات الأهالي تعلو، مطالبةً في الكشف عن مصير المفقودين والمغيبين قسرياً، ورد الاعتبار للضحايا وعائلاتهم.

أبو علي واحد من آلاف الآباء الذين ما زالوا يبحثون عن أبنائهم. اعتقل ابنه علي عام 2012 من حي القاعة في دمشق، دون أن يعرف لأي جهة أُخذ. تنقل بين الأفرع الأمنية يسأل عن مصير ابنه، وكلما سمع بخروج معتقل مفرج عنه، كان يسارع لسؤاله عن ابنه، لكن دون جدوى.

وحين فتحت أبواب سجن صيدنايا بعد وصول قوات ردع العدوان إلى دمشق، توجه أبو علي إلى السجن وهو يحمل صورة ابنه، على أمل أن يجده بين المفرج عنهم، لكنه لم يعثر على أي أثر له، ليوقن لاحقاً أن ابنه قد فارق الحياة.

وفق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2025، يتحمل النظام السابق مسؤولية أكثر من 90% من حالات الاختفاء القسري، التي ارتبطت بالاعتقال التعسفي والتعذيب وغياب المحاكمة العادلة، وتشير قاعدة بيانات الشبكة إلى وجود ما لا يقل عن 177,057 مختفياً قسرياً منذ عام 2011 حتى آب 2025، بينهم آلاف النساء والأطفال، معظمهم في مراكز احتجاز النظام.

ونظراً لأهمية هذا الملف في مسار العدالة الانتقالية، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في 17 أيار 2025 مرسوماً بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين” و”الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”.

في آذار/مارس 2025، وبعد الأحداث التي شهدها الساحل السوري والمعروفة بـ“أحداث الساحل”، عقدت جلستان لمحاكمة المتورطين، حيث يحاكم في القضية 14 متهماً من عناصر النظام السابق، ومن القوات الحكومية الحالية. جاءت هذه الخطوة في محاولة لتهدئة الجو العام المشحون، ومنع أي ردود فعل انتقامية من قبل أي طرف.

ويقول الحقوقي المعتصم الكيلاني في هذا السياق:   “تبرز المحاكمات العلنية التي انطلقت على خلفية أحداث الساحل السوري بوصفها تطوراً لافتاً يمكن اعتباره مؤشراً إيجابياً مبدئياً، إذا ما التزمت بمعايير المحاكمة العادلة من حيث العلنية، واستقلال القضاء، وضمان حقوق الدفاع. نجاح هذه المحاكمات قد يساهم في استعادة جزئية للثقة بالمؤسسات القضائية، ويفتح الباب أمام مساءلة قانونية داخلية. غير أن أهميتها تبقى محدودة إذا جرى التعامل معها كبديل عن العدالة الانتقالية، إذ إن المحاكمات الجنائية التقليدية تعالج أفعالاً فردية ضمن إطار قانوني ضيق، ولا تتناول السياق البنيوي للانتهاكات، ولا تلبي حق الضحايا في معرفة الحقيقة أو في جبر الضرر الشامل”.

العدالة بين ضفتين: ما حققته أوروبا وما ينتظر في سوريا

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، برز ملف المفقودين والمختفين قسرياً كأحد أكثر الملفات إلحاحاً، ما دفع بالضحايا وأهاليهم، ومنظمات المجتمع المدني إلى توثيق الاعتقالات والانتهاكات وتنظيم حملات للمطالبة بالكشف عن مصير الضحايا.

 ومع تعذر تحقيق العدالة في سوريا بظل النظام السابق، انتقلت الجهود إلى أوروبا، حيث تم رفع دعاوي ضد مسؤولين أمنيين سابقين كأنور رسلان وعلاء موسى، حيث تم الاستناد إلى توثيق دقيق وشهادات ناجين، على سبيل المثال استندت المحاكات التي أقيمت في ألمانيا إلى عملية توثيق مطولة ومعقدة، وجمع للأدلة والشهادات. في هذا الخصوص يقول الحقوقي المعتصم الكيلاني المختص في القانون الجنائي وحقوق الإنسان، وباحث دكتوراه في القانون والعلاقات الدولية: “شكلت المحاكمات في أوروبا بحق مسؤولين سابقين في النظام السوري، محطة مفصلية في مسار المساءلة عن الجرائم الدولية. فقد أثبتت هذه التجربة أن الإفلات من العقاب ليس قدراً حتمياً، وأن غياب العدالة الوطنية يمكن تعويضه جزئياً عبر القضاء الدولي أو الوطني في دول أخرى، عندما تتوفر الإرادة السياسية والاستقلال القضائي. كما قدمت هذه المحاكمات نموذجاً عملياً لكيفية تحويل توثيق الضحايا إلى أداة قانونية فعالة، وهو نموذج يمكن البناء عليه مستقبلاً في أي مسار وطني سوري للعدالة الانتقالية”.

العديد من السوريين تابعوا لحظات النطق بالحكم في محاكمة أنور رسلان، وعلاء موسى، حيث استندت المحاكم إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، وإلى شهادات الضحايا التي لعبت دوراً محورياً في بناء الملفات. هذه المحاكمات شكلت لحظة اعتراف معنوي للضحايا وعائلاتهم، ورد اعتبار طال انتظاره. رويدا كنعان، ناشطة وصحفية شاركت كشاهدة في محاكمة رسلان، تؤكد أن ما يميز المحاكمات التي عقد في أوروبا هو الوقت الكافي لبناء القضايا، وحماية الشهود، واحترام خصوصيتهم سيما النساء، تحديداً في قضايا العنف الجنسي، وتضيف: “استمرت عملية توثيق الأدلة لما لا يقال عن سنتين، وتمت مقابلة العديد من الشهود، مما ساعد في بناء القضية بشكل متكامل، مع التأكيد على أهمية الحساسية للشهود واحترام رغبتهم في الظهور للفضاء العام، وحماية الشهود بعيداً عن (الترند) وضجيج منصات التواصل الاجتماعي، لأنه قد يعرضهم وأهلهم للخطر والوصم”.

متى تبدأ المحاكمات؟

بعد مرور عام كامل على سقوط النظام البائد، ما تزال أصوات الضحايا وذويهم ترتفع مطالبةً بالكشف عن مصير المفقودين، ويعبر كثيرون عن شعور متزايد بأن مسار العدالة الانتقالية لا يسير بالجدية المطلوبة، محذرين من أن هذا التباطؤ قد يخلق نمطاً قاسياً من التعايش القسري مع الجناة في المجتمع، الأمر الذي يعمق لدى الضحايا إحساس الظلم والعجز، ويرسخ ثقافة الإفلات من العقاب بوصفها قاعدة اجتماعية وسياسية.

واليوم يطرح العديد من الضحايا وذويهم سؤالاً متكرراً: متى تبدأ العدالة الانتقالية؟ وغالباً ما يقصدون بذلك بدء المحاكمات حسب وصف رويدا. وفي هذا الصدد تقول رويدا:

“لدي حساسية تجاه سقف التوقعات لدى الناس فيما يتعلق بمسار العدالة الانتقالية. كثيرون يسألون: أين العدالة الانتقالية؟ ويقصدون هنا: أين المحاكمات؟ بينما العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات، ولا يمكن تخيّل محاكمات لكل المتورطين، فهذا مستحيل. نحتاج لتوضيح ما هي العدالة الانتقالية فعلاً. أتمنى من الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن تكونا واضحتين بشأن ما هو ممكن وما هو غير ممكن، وأن تقدما خطة شفافة لمسار العدالة الانتقالية، مع توضيح التحديات، بما يساعد الناس على التعاون. كما يجب أن يكون هناك وضوح حول الإمكانيات المتاحة، وإجراءات جبر الضرر، وما يمكن تنفيذه فعلياً ضمن القدرات المالية والبشرية”.

حتى لحظة كتابة التقرير مازالت الاكتشافات تتوالى بين الحين والآخر عن مقابر جماعية لجثث مجهولة، وفي مواقع مختلفة من سوريا منها دمشق: القطيفة، عدرا والحسينية، والتضامن، ودير الزور، والرقة وعادة ما تحتاج عملية توثيق الأدلة لعملية معقدة تحتاج لإمكانيات تقنية وعلمية ومادية هائلة، منها رصد وتوثيق المواقع بالاستناد إلى شهادات الناجين والشهود، وتقنيات الاستشعار عن بعد، وصور الأقمار الصناعية، وحماية المواقع من العبث، وصون سلسلة الحيازة القانونية للأدلة، وإجراء فحوص الحمض النووي لمطابقة الرفات مع بيانات المفقودين، وتوثيق الأدلة المادية لتقديمها أمام الجهات القضائية المختصة.

وإذا ما استندنا إلى التجربة البوسنية، سنجد تأسيس اللجنة الدولية لشؤون المفقودين عام 1996 والتي تضم قاعدة بيانات عملت من خلالها على تحديد هوية الضحايا عبر تحليل الحمض النووي للمفقودين، تضم أكثر من 100 ألف عينة بيولوجية. تقول رويدا: “مثلا قبل أربع سنوات كنت في سيرايفو ورأيت أنهم مازالوا يعملون على مقارنة الحمض النووي والعمل على اكتشاف هوية الجثث بعد مضي 30 عاماً على انتهاء الحرب، ولذلك أوكد على أهمية ربط جهود الهيئات المعنية بالمفقودين مع باقي قطاعات الحكومة لأن عملية توثيق الأدلة تتطلب العديد من الجهود ومكلف ماديا وتحتاج لطاقات هائلة”.

جبر الضرر في رواندا وتجارب رمزية في السياق السوري

شكل جبر الضرر أحد أهم مسارات العدالة الانتقالية في رواندا بعد الأحداث التي شهدتها عام 1994، إذ سعت الدولة إلى تخليد ذكرى الضحايا عبر إنشاء مواقع تذكارية تحفظ الذاكرة الجماعية، وتوثق حجم المأساة. من أبرز هذه المواقع مركز كيغالي التذكاري للإبادة الجماعية، الذي دفن فيه ما يقارب ربع مليون ضحية، ويعرض صوراً وشهادات للناجين، إضافة إلى مقتنيات شخصية ورسائل وملابس تعود للضحايا، لتكون شاهداً حياً على الفظائع التي ارتكبت.

كما تم تحويل عدة مواقع شهدت مذابح جماعية إلى معالم تذكارية، مثل كنيسة نياماتا الكاثوليكية، ومواقع أخرى في مورامبي وبيسيسيرو، حيث تعرض الأدلة بشكل يعكس الحجم الحقيقي للكارثة، وقد أدرجت منظمة اليونسكو هذه المواقع الأربعة ضمن قائمة التراث العالمي بوصفها ذاكرة ملموسة للإبادة وشاهداً على صمود الناجين.

ورغم أن جبر الضرر يتطلب إمكانيات ضخمة مادياً وبشرياً، فإنه يعد من أكثر الإجراءات أهمية في مسار العدالة الانتقالية، لما له من دور في تهدئة الغضب العام، والحد من الرغبة في الانتقام، وإعادة جزء من الحقوق المعنوية والمادية للضحايا وذويهم، إلا أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب التوثيق الرسمي لأعداد الضحايا، ونقص الموارد المالية اللازمة لتعويض المتضررين، سواء من فقدوا أحباءهم أو تعرّضوا للتعذيب أو فقدوا منازلهم واضطروا للنزوح واللجوء.

ورغم هذه التحديات، ظهرت مبادرات مدنية رمزية في السياق السوري تسعى إلى تخليد ذكرى الضحايا والتخفيف من آلام ذويهم. من هذه المبادرات إحياء ذكرى مجازر حماة في الثمانينيات، وجلسات الدعم النفسي التي نظمتها منظمات مدنية، إضافة إلى تعليق صور الشهداء في حي الميدان الدمشقي على جدران جامع الحسن كنوع من التكريم والاعتراف بتضحياتهم.

وتروي رويدا تجربتها قائلة:

“قبل يومين التقيت والدة أحد المفقودين، وهو شاب من الميدان. كانت تريني صورة ابنها المعلقة ضمن شهداء الحي، ولاحظت أن لديها شعوراً بالرضا، وكأن هذا الاعتراف يمنح قيمة لتضحية ابنها ويخفف رغبتها في الانتقام. مثل هذه الأفعال رغم بساطتها، تعد مفيدة في المرحلة الحالية، وتخفف من وطأة الحزن ضمن الإمكانيات المتاحة”.

بقلم: هبة عيسى

Exit mobile version